وهبة الزحيلي
22
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فيمكن جعل مَنْ اسما للخالق جل وعز ، ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه ، كما يمكن جعلها اسما للمخلوق ، ويكون المعنى : ألا يعلم اللّه من خلق . ولا بد من أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه . ثم أقام اللّه تعالى الدليل على قدرته ، ونبّه إلى تمام نعمته ، فقال : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أي إن اللّه هو الذي سخّر لكم الأرض وذلّلها لكم ، وجعلها سهلة لينة قابلة للاستقرار عليها ، لا تميد ولا تضطرب ، بما جعل فيها من الجبال ، وفجّر فيها الينابيع ، وشقّ الطرق ، وهيّأ المنافع ، وأنبت فيها الزروع وأخرج الثمار ، فسيروا في جوانبها وأقطارها وأرجائها حيث شئتم بحثا عن المكاسب والتجارات والأرزاق ، ولا يغني السعي شيئا عن تيسير اللّه ، لذا قال تعالى : وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أي مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض ، ومكّنكم من الانتفاع بها ، وأعطاكم القدرات على تحصيل خيراتها ، ثم اعلموا أنكم في النهاية صائرون إليه ، فإليه النشور ، أي البعث من قبوركم ، لا إلى غيره ، وإليه المرجع يوم القيامة ، فاحذروا الكفر والمعاصي في السر والعلن . والآية دليل على قدرة اللّه ومزيد إنعامه على خلقه ، وعلى أن السعي واتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل على اللّه ، وعلى أن الاتجار والتكسب مندوب إليه . أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لو أنكم تتوكلون على اللّه حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا ، وتروح بطانا » فأثبت لها غدوّا ورواحا ، لطلب الرزق ، مع توكلها على اللّه عز وجل ، وهو المسخّر المسيّر المسبّب . وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بقوم ، فقال : من أنتم ؟ فقالوا : المتوكلون ، قال : بل أنتم